مؤسسة آل البيت ( ع )
214
مجلة تراثنا
يأتوا بمثله ، وتركهم المعارضة مع تكرار التحدي عليهم وطول التقريع لهم ، فإذا عجز العرب عن ذلك فنحن أولى بالعجز . ومن قائل يقول : وجه الاعجاز فيه هو ما اختص به من الفصاحة والبلاغة التي بهرم عند سماعها ، وطأطأوا رؤوسهم عند طروقها ، وعليه الأكثرون . فإن عسى اعترض المعترض وقال : ماذا أعجزهم ؟ وماذا أبهرهم ؟ ألفاظ القرآن أم معانيه ؟ ! إن قال : أردت الألفاظ مع شئ منهما لا يجب فضل البتة على تقدير الانفراد ، لأن الألفاظ [ لا ] تراد لنفسها ، وإنما تراد لتجعل دلالات على المعاني ، ولأن الألفاظ التي نطق بها القرآن ليست إلا أسماء وأفعالا وحروفا مرتبطا بعضها ببعض ، ويستعملونها في مخاطباتهم ، وكذلك الجمل المنظومة . وإن قال : أعجزهم المعاني . يقال له : أليس إنهم كانوا أرباب العقول وأهل الحجى ، يدركون غوامض المعاني بأفهامهم ، ولهم المعاني العجيبة ، والتمثيلات البديعة ، والتشبيهات النادرة . وإن قال : بهرم النظم العجيب . يقال له : أليس . معنى النظم هو تعليق الكلم بعضها ببعض ، وهي الأسماء والأفعال والحروف ، ومعرفة طرق تعلقها ، كتعلق الاسم بالاسم ، بأن يكون خبرا عنه أو صفة له أو عطف بيان منه ، أو عطفا بحرف عليه ، إلى ما شاكله من سعة وجوهه ، وكتعلق الاسم بالفعل ، بأن يكون فاعلا له ، أو مفعولا ، إلى سائر فروعه واتباعه ، وكتعلق الحرف بهما كما هو مذكور في كتب النحو ، وهم كانوا يعرفون جميع ذلك ، وكانوا يستعملونه في أشعارهم وخطبهم ومقاماتهم ، ولو لم يعرفوا وجوه التعلق في الكلم ، ووجوه التمثيلات والتشبيهات ، لما تأتى لهم الشعر الذي هو نفث السحر . فحين تأتى لهم ذلك ، ومع هذا عجزوا عن المعارضة ، دل على أن الله تعالى أحدث فيهم عجزا ومنعا .